غزة – معتز شاهين:
أثارت تصريحات سفير الولايات المتحدة لدى "إسرائيل"، مايك هاكابي، موجة واسعة من الجدل والانتقادات، عقب حديثه عن قبوله ممارسة "إسرائيل" سيطرتها على أراضٍ تعود لدول عربية، بما فيها الأراضي الفلسطينية المحتلة والقدس، وهو طرحٌ اعتبره أكاديميون ومحللون سياسيون سابقة خطيرة في العمل الدبلوماسي.
وأجمع كتاب ومحللون على أن هذه التصريحات يمكن فهمها على أنها "ضوء أخضر" لمزيد من التوسع الاستيطاني وتهجير الفلسطينيين في الضفة الغربية والقدس، معتبرين أن انحياز السفير الأميركي لإسرائيل ينعكس في تبنّي خطاب يبرر سياسات الاحتلال ويتجاهل الانتهاكات على الأرض.
وأكد هؤلاء، في أحاديث منفصلة لصحيفة "الاستقلال" أمس الأحد، أن خطورة هذه التصريحات قد تنعكس سلبًا على جهود المجتمع الدولي الرامية إلى إدانة الاستيطان داخل أروقة الأمم المتحدة، كما قد تعزز استمرار استخدام الفيتو الأميركي ضد أي قرارات أممية تصب في مصلحة الفلسطينيين.
وجاءت تصريحات هاكابي خلال مقابلة أجراها مع الإعلامي الأميركي تاكر كارلسون، الاثنين، قبل أن يحاول لاحقًا التراجع عنها، واصفًا إياها بأنها "مبالغة مجازية".
ويُعرف هاكابي بمقولته التي كررها لسنوات: "لا يوجد شيء اسمه فلسطيني"، كما سبق أن اقترح علنًا إقامة الدولة الفلسطينية في مكان آخر، مثل الأردن أو أجزاء من سيناء، معتبرًا أن "هناك الكثير من الأراضي العربية والإسلامية، بينما لا توجد سوى إسرائيل واحدة صغيرة".
وتوالت ردود الفعل العربية والإسلامية الرسمية المنددة بتصريحات السفير الأميركي لدى إسرائيل، إذ أعربت وزارات خارجية عدد من الدول العربية والإسلامية، إلى جانب منظمات إقليمية، عن إدانتها الشديدة لهذه التصريحات، ووصفتها بأنها انتهاك صارخ للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة وتهديد لأمن المنطقة واستقرارها.
وأكدت تلك الجهات رفضها القاطع لأي شرعنة لضم الأراضي أو توسيع الاستيطان، مشددة على أنه لا سيادة لإسرائيل على الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، ومجددة تمسكها بحل سياسي يفضي إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة.
انحراف سياسي
قال أستاذ الاتصال السياسي، د. حسام فاروق، إن تصريحات السفير الأميركي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، بشأن قبوله ممارسة إسرائيل سيطرتها على أراضٍ تعود لدول عربية، بما فيها الأراضي الفلسطينية المحتلة والقدس، تمثل "سابقة خطيرة" في تاريخ العمل الدبلوماسي، وتتجاوز صلاحياته كممثل رسمي لبلاده.
وأضاف فاروق، في حديثه لـ"الاستقلال"، أن ما صدر عن هاكابي لا يعكس خطابًا دبلوماسيًا تقليديًا، بل يتبنى مقاربة دينية للصراع تتجاوز القانون الدولي، مشددًا على أنه "لا سيادة لإسرائيل على الأراضي الفلسطينية المحتلة أو أي أراضٍ عربية أخرى".
وتابع أن حديث السفير عن أحقية دينية، أو ما يُعرف بفكرة "إسرائيل الكبرى"، يعبر عن طرح أيديولوجي لا ينسجم مع طبيعة الدور المفترض لأي دبلوماسي يمثل دولة كبرى.
ورأى أن هذه التصريحات قد توحي بانتقال من دعم أميركي تقليدي لإسرائيل إلى خطاب أكثر صراحة وحدّة، موضحًا أن الولايات المتحدة، رغم دعمها التاريخي لإسرائيل منذ عام 1948، لم تعبّر سابقًا عن هذا الدعم "بهذه الفجاجة أو الإعلان المباشر".
وأكد فاروق أن واشنطن مطالَبة إما بتوضيح رسمي يحدد موقفها من تصريحات سفيرها، أو باتخاذ إجراء واضح بحقه إذا كانت لا تمثل سياستها.
وأشار إلى أن خطورة هذه التصريحات تكمن في صدورها عن سفير يمثل دولة دائمة العضوية في مجلس الأمن، ما يثير تساؤلات حول مدى التزام الولايات المتحدة بدورها في حماية النظام الدولي. وأضاف أن الخطورة لا تكمن فقط في مضمون التصريحات، بل أيضًا في صفة قائلها وموقعه الدبلوماسي.
ودعا أستاذ الاتصال السياسي، إلى عدم الاكتفاء ببيانات الإدانة، مطالبًا بتحرك عربي عملي داخل أروقة الأمم المتحدة ومجلس الأمن، من خلال طلب جلسة عاجلة ومساءلة واشنطن سياسيًا بشأن هذه المواقف. واعتبر أن توظيف هذه التصريحات على المستوى الدولي قد يسهم في كشف طبيعة الدعم السياسي للاحتلال، مشددًا على أن أي توضيح أميركي بعدم تبني هذه التصريحات يجب أن يُترجم إلى خطوات عملية تثبت ذلك.
"ضوء أخضر"
من جهتها، اعتبرت الكاتبة والمحللة السياسية، د. رهام عودة، أن تصريحات السفير الأميركي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، بشأن قبوله ممارسة إسرائيل سيطرتها على أراضٍ تعود لدول عربية، بما فيها الأراضي الفلسطينية المحتلة والقدس، تمثل مواقف "غير مسؤولة وعنصرية واستيطانية"، وتعكس قناعات شخصية تشجع الاحتلال على مواصلة السيطرة على أراضٍ عربية، في مخالفة صريحة لمبادئ القانون الدولي وحقوق الإنسان.
وقالت عودة لـ"الاستقلال" إن ما صدر عن السفير الأميركي يتناقض مع القيم التي تروّج لها الولايات المتحدة بشأن الحرية والعدالة، كما يكشف عن فجوة بين مواقف بعض المسؤولين الدبلوماسيين الأميركيين وما أعلنته سابقًا وزارة الخارجية الأميركية من عدم تأييدها للاستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية.
وأضافت أن هذه التصريحات يمكن فهمها على أنها "ضوء أخضر" لمزيد من التوسع الاستيطاني وتهجير الفلسطينيين في الضفة الغربية والقدس، معتبرة أن انحياز السفير الأميركي لإسرائيل ينعكس في تبنّي خطاب يبرر سياسات الاحتلال ويتجاهل الانتهاكات على الأرض.
وأشارت عودة إلى أن اختيار سفراء معروفين بتأييدهم الكامل لإسرائيل يعكس نهجًا في السياسة الخارجية الأميركية يقوم على غضّ الطرف عن التوسع الاستيطاني والانحياز شبه الكامل لإسرائيل، مهما بلغت انتهاكاتها بحق الفلسطينيين.
وحول خطورة صدور مثل هذه التصريحات عن ممثل لدولة دائمة العضوية في مجلس الأمن، أوضحت أن ذلك قد يؤثر سلبًا على جهود المجتمع الدولي لإدانة الاستيطان داخل أروقة الأمم المتحدة، ويعزز استمرار استخدام الفيتو الأميركي ضد أي قرارات أممية تصب في مصلحة الفلسطينيين.
وأكدت هذه التصريحات تثير القلق في المنطقة العربية والإسلامية، لما تنطوي عليه من ترويج لاستخدام القوة وتجاهل لمبدأ سيادة الدول، مرجّحة في الوقت ذاته أن تتعامل بعض الدول مع هذه المواقف باعتبارها تعبيرًا شخصيًا، ما لم يصدر موقف رسمي واضح من وزارة الخارجية الأميركية يتبناها صراحة.


التعليقات : 0